الأبعاد الظاهرة والباطنة في التأهل لكاس العالم لكرة القدم

منذ 4 سنوات 5
ARTICLE AD BOX

محسن زردان

الأبعاد الظاهرة والباطنة في التأهل لكاس العالم لكرة القدم

الأربعاء 06 أبريل 2022 | 20:56

عندما يَضْطر مَلايين البشر عبر المعمور لتخصيص أوقات مُهمة من حياتهم، وفي أحيان كثيرة ترك أغراضهم ومشاغلهم والاستسلام أمام التلفاز، أو التزاحم على أبواب الملاعب لمشاهدة مقابلة في كرة القدم، فلابد أن الأمر جَلَل ويحتاج لوقفة مُتأنية لمعرفة خبايا الكرة المستديرة وأبعادها التي تتجاوز الشق الرياضي والترفيهي.

آراء أخرى

  • حينما تشتد الأزمات تتبخر "الكفاءات"

  • الحكم الذاتي .. كابوس الحكم الجزائري

  • شيخ الأزهر و"قواعد" ضرب النساء

تأهل المغرب لكأس العالم المنظمة بقطر لسنة 2022، كانت فرحة لا توصف، غَمرت الكبير والصغير، الفقير والغني، حتى باتت مصائب كورونا، ومثالب لهيب الأسعار شيئا هامشيا في حُكم النسيان.

من يُدرك التلاعب بسيكولوجية الجماهير، يَعلم بأن كرة القدم لها الأثر البالغ في التأثير على المزاج العام، وبذلك هي مناسبة للرفع من معنويات المجتمع وإدخاله في نشوة مؤقتة يختلط فيها الترقب والانتظار والجري وراء انتصار قد يأتي أو لا يأتي.

هي أداة من أدوات توجيه سلوكيات المجتمعات للتنفيس عن واقع مأزوم وتفريغ طاقتها لرسم صور الاحتفال في الشوارع، بدل الخروج للتظاهر والمطالبة بالحقوق وتغيير الأوضاع.

وهو بذلك انتصار كروي رياضي، يُغطي ويَتَستر في أحيان كثيرة على باقي إخفاقات الرهانات المرفوعة لخطط التنمية في شقها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.

التأهل إلى المونديال يَزن ذَهبا في ميزان الساحة الدبلوماسية الدولية، به تُلَمع الأنظمة صُورتها، وعَلَيه تمتطي القوى السياسية حصان طروادة، وعلى هَديه يُبنى وَهْمُ التفوق، وفي ظِلِّه تُصنع نُجوم وأساطير المال والترفيه.

لذلك قد يُفْهَمُ، لماذا يتسابق زعماء ورؤساء الدول وشخصيات السياسة والفن والرياضة لملء الصفوف الأمامية في المباريات الاقصائية الحاسمة سعيا للتماهي مع نشوة الفوز الجماعية وربح درجات الانخراط في صُنْع الانتصارات والأمجاد الوطنية والقومية الخالدة.

قد لا نَستغرب عندما نَرى روسيا المنخرطة في حربها مع أكرانيا، تثور ثائرتها بمجرد إقصائها من مباريات التأهيل لكأس العالم المزمع تنظيمها بقطر، فأقامت الدنيا وأقعدتها، وما زالت تحاول الحضور في ذلك المحفل العالمي، لأنها تُدرك قُوة تَأثير شعبية كرة القدم على صورة الدول.

على أية حال، يمكن القول بأن الظرفية الصعبة التي يمر منها العالم، تسعى فيها جل الدول لاقتناص مثل هذه التظاهرات العالمية، واستغلالها أحسن استغلال على كل الجوانب.

المغرب كان له ما أراد واستطاع التأهل لمونديال قطر، وسَيدخل تاريخ كرة القدم كأحد الممثلين الخمسة للقارة الأفريقية، وهو إشعاع دبلوماسي قل نظيره، فالحضور هو في حد ذاته ترويج لصورة الدولة في بقاع العالم، وإرسال رسالة للموالين والخصوم في القدرة على كسب الريادة ومُقارعة الكبار في ساحة الرياضة، والتباهي بتسلق سلم الارتقاء لمراتب أفضل.

هي خطوة مهمة في رفع أسهم المغرب في المحافل الدولية، وتسويق صورة براقة عن الحضور الدائم، لكسب ثقة المجتمع الدولي، كدولة قطعت أشواط مهمة في طريق التنمية، ومؤهلة لاحتضان أرقى التظاهرات الدولية، ونموذج للدولة الأفريقية الأكثر استقرارا.

ليس من السهل تهيئ مشهد ختامي للتأهل على أرضية ملعب كبير مكتظ بالجماهير في احتفالية مُمَيزة تُعطي الانطباع سواء في الداخل أو الخارج على الانسجام والتناغم بين ما هو رياضي وتنظيمي ومجتمعي وانصهار أغلب فئات المجتمع للوصول إلى مبتغى الفوز.

عندما يُصبح المغرب قبلة مفضلة للعديد من المنتخبات الأفريقية للتهيؤ واحتضان مقابلاتها هو اعتراف صريح بربح رهان استراتيجية الاستثمار في مجال البنيات التحتية، وبالتالي كسب ود العديد من الدول الأفريقية التي تُفضل التحالف والانحياز لبلد يَتوافق مع مصالحها.

التأهل للمونديال للمرة الثانية تواليا، قد يَحْمِلُ إشارات بالغة القوة، ويُمَهد الطريق للمغرب لِتَرشحه بجدية لتنظيم منافسات كأس العالم لكرة القدم في السنوات القادمة، حينذاك ستكون مرحلة فارقة في تعزيز تنمية البلد على الصُّعُدِ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والرياضية، خصوصا إذا ما تمت برمجة رزنامة من المباريات بالأقاليم الجنوبية المغربية.

مثل هذا الحدث التاريخي، يساهم في انتاج خطاب شفاهي ومكتوب يتم تداوله في المجتمع لمدة ليست باليسيرة، ويبقى راسخا لأجيال.

وفي السياق ذاته، يلاحظ أن منسوب خطاب الوطنية يرتفع بمناسبة التظاهرات الكروية وكأنها لصيقة بالرياضة وحدها، فَتُرفع الأعلام الوطنية في كل مكان، ويزداد الإقبال عليها، ويتم تداول اسم البلد وخريطته عبر ربوع العالم.

كرة القدم لها القدرة على تحريك شعور الانتماء للجاليات المقيمة بالخارج وجمع شملها، وخروجها للاحتفال بعواصم ومدن الاستقبال، بل تصدير المواهب لوطنها الأم والمساهمة في صنع انجازاته وأفراحه.

انها بمثابة قوة ناعمة استطاع المغرب خلال العقد الأخير الانخراط فيها بنجاح، من خلال الاستثمار في مقومات بنيتها التحتية وتقوية حضور أنديتها في المنافسات القارية، على الرغم من أن هناك من يرى أن تَكلفتها المادية جد باهظة مقارنة مع الامكانيات الاقتصادية المحدودة للدولة، بينما هناك من يرى أن تلك التكلفة تبقى منخفضة إذا ما قورنت بوقعها الاشعاعي وتأثيرها الاستراتيجي على صورة البلاد.

كاتب ومهتم بشؤون المعرفة

المصدر