الآلـة الإعلامية القوة الضاربة المُتجددة في زمن الحرب والسلم

منذ 4 سنوات 7
ARTICLE AD BOX

عبد الله بوصوف

الآلـة الإعلامية القوة الضاربة المُتجددة في زمن الحرب والسلم

الأحد 13 مارس 2022 | 14:05

شهد العالم العديد من الصور الصادمة عن أهوال الحرب الدائرة رحاها في أوكرانيا..وتميزت هذه الحرب بكَـمٌ هائل من الأخبار و تحاليل ذوي الاختصاص ، بمنسوب عادل أو فاق في كثير من الأحيان الآلـة الحربية نفسها بشكل  رهيب و وثيرة قوية..

آراء أخرى

  • طفولة منسية

  • السلم العالمي والإجراء المحمدي للمِّ شمل الفرقاء ورفض الإقصاء

  • مفهوم الحرب بين تعدد المبررات وتناقص القيود

وبهذا لم يغـب الإعلام بكل أصنافه عن لحظات الدبلوماسية و لحظات الحرب و القصف و الهروب و اللجوء الجماعي و صفارات الإنذار ، وكان حاضرا أثناء جلسات المفوضات (الروس و الاوكراين ) و اجتماعات الحلفاء و قرارات المنظمات الأوروبية و الأمميةوهو ما جعل من الآلة الإعلامية ليس أداة نشر و توثيق الأحداث فقط ، بل جعلت من نفسها  إحدى  ساحاتها و أحد أسلحتها الفتاكة بالتأثير في الرأي العام المحلي و العالمي من خلال  تبنيحكي أو سرد  Naration  يبرر عمليات الحرب  و تَصوُراتتُـشرعِـنالعنف و الحرب في تدبير النزاعات و الصراعات

لذلك أصبح حظر و إيقاف بث بعض القنوات و سحب اعتمادات بعض الصحفيين كأحد العقوبات القوية أو ضمن تكتيكات الصراع الساخن..كما أصبحت طلات قادة النزاع محسوبة خاصة على وسائط التواصل الاجتماعي (الفايسبوك و التويتر واليوتيوب و التلغرام …) أضف إلى ذلك نسبة المشاهدة و عدد المتابعينوهو ما فرض على السياسي و الدبلوماسي و العسكري أن يُصبح مؤثـرا أيضا في تلك الشبكات التواصليةوهذا ما شهدناه بالفعل خلال الحرب على أوكرانيا

و الــواقع أن العلاقة بين الحروب و الإعلام ليست وليدة اليوم ، إذ بـدراسة أغلب المحطات التاريخية المرتبطة بالنزاعات و الحروب نقف على حقيقـة غريبة ، وهي أن الحروب ساهمت بشكل كبير في  تطور و تنويـع وسائل الإعلامحيث ارتبطت أغلب الحروب بميلاد وسيلة تواصل / إعلامية جديدةبـدءا من الثورة الفرنسية حيث اخترع Claude Chappe التلغراف سنة 1793والذي تم استخدامه في تنسيق الحرب و خاصة بين الثكنات العسكرية بين باريس و ليلليستمر تطوير التلغراف مع العالمين البريطانيينكوكوواتسونسنة 1837….

ثممعركة القرمسنوات 1853 و1856 بين روسيا و العثمانيين بتحالف مع الانجليز و الفرنسيين ، و التي ستعرف و لأول مرة  المراسل الصحفي العسكريمعوليام هاورد  سنة 1854..و الذي عانى  من مضايقات المؤسسة العسكرية التي نُسـب لها واقعة إحراق خيمته ذات مرة ..كما منعت ذات المؤسسة كل الضباط من التواصل معه و الإدلاء بتصاريح لهلكونه تحدث للناس و لأول عن مشاهد حيـة لـويلات الحرب و سوء إدارة القيادة العسكرية للمعارك و الأداء الكارثي للوحدات الطبية كان من نتائجها موت العديد من الجنود البريطانيين

ففي هذه المرحلة التاريخية كان التوفر على على أطول رابط  تلغراف ( الكابل ) يعني سهولة في التوسع و مرونة في المناورة ، مع ملاحظة مهمة أن التلغراف كان يوفر المعلومة سواء خلال أوقات الحرب و الصراعات أو لأجل أعمال تجارية أو حملات توسعية / استعمارية

أما أثناء الحرب العالمية الأولى ، فقد كانت السينما أهم  وسائل الإعلام و التواصل ، حيث كانت الصورة رسالة قوية في مجتمعات تنتشر فيها الأمية بشكل كبيرو هكذا أصبحت أفلام الحرب و النشرات الحربية.. هي وسيلة لتوجيه الرأي العام من جهة ، و الحصول على إجماع وطني من جهة ثانيةوفي هذه الفترة بـرزت السينما كوسيلة مهمة في تدبير و إدارة الحروب و الصراعات

و سيحتل جهاز الراديو خلال الحرب العالمية الثانية المقدمة في قائمة وسائل الإعلام ..لـقدرته على تجميع حوله الملايين من الناس عسكريين و سياسيين و مواطنينو لإمكانية إختراقه لصفوف العدو وفي نفس الآن آليـة قـوية في مراقبة المجتمعأكثر من هذا فإن الأنظمة الشمولية النازية و الفاشية ستعمل على إحتكار المعلومة و التحكم في تصريفحكي و سرد ” Naration بطريقة تخدم مصالح تلك الأنظمة الشمولية و ايديولوجيتهاكخلقوزارة البروباغاندابألمانيا النازية مع Joseph Goebbels…

و سيتربعالتلفزيونأثناء حرب الفيتنام على عرش الإعلام في تبريره للحرب حتى قيل أنداك أن الإعلام هو بوق كبير للسلطةلكن الإعلاميين سيدركون قوتهم و أهمية استقلالية الخط التحريري و هكذا سيعمدون إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الإعلام و السلطة

و مع بداية التسعينيات من القرن الماضي و مع ماعرفته من حروب عنيفة في مناطق الخليج و البلقان و يوغوسلافيا و الصرب و البوسنةسنكتشف أدوات إعلامية جديدة تمثلت في الفضائيات الإعلامية مع صبيب هائل منالأخبار الزائفة  تنشرها بعض  القنوات الفضائية من أجل شرعنة استعمال القوة ضد العدو….مع أسلوب جديد هو تجنب ظهور صور الدماء و صور جتث   الموتى تجنبا لكل رد فعل رافض للحرب داخل المجتمعات الغربيةخاصة مع وجود سابقة تاريخية ربطت  صور التلفزيون حول حرب الفيتنام و الدماء و الموتىبعامل إحباط الجنود الأمريكيين ، لذلك تجنب الإعلام نشر صور الموتى في كل الحروب التي تلت حرب  الفيتنام ، و نُـذكر هـنا بحادث11 شتنبر 2001 حيث تجنب التلفزيون نقل صور الموتى.. و اكتفى فقط بصور انهيار المباني و البانتغون….

اليوم و ننحن نعيش تداعيات الحرب على أوكرانيا و ترتيبات النظام العالمي الجديد.. فقد فرضت الآلـة الإعلامية نفسها كلاعب لا يمكن الاستغناء عنه في تدبير الصراعات و في تجييش و تأجيج الرأي العام ، وفي إعلان بداية الحرب و إنهاءها حتى قبل نهايتها على أرض الواقع..و في الهزيمة و النصر

فقد لاحظنا انه عندما يٌعلن الإعلام الروسي عن هروب الرئيس الاوكرانيزيلانسكيمثلا ، فان هذا الأخير يرد عليهم بفيديو بواسطة هاتفه الشخصي من وسط العاصمة كييف أو من القصر الرئاسي أو بتدوينه على التويتركما واظب المراقبون على مراقبة و تطور مضامين و حساب عدد و مقارنة تدوينات كل من الرئيس الأوكرانيزيلانسكيالذي ارتفع عدد متابعيه إلى ما يقارب 5  ملايين متابع على منصةالتويتر، و نظيره الروسيفلادمير بوتينفي شكل معركة رقمية جديدة

الآلـة الإعلامية فرضت نفسها ليس في زمن الحرب و الصراعات ، بل أيضا في صناعة بعض الكائنات الانتخابية من اليمين المتطرف و في مقدمتهم المرشح الرئاسيإريك زمورو الذي تخصص في نشر الكراهية و العنصرية و إهانة مقدسات الآخرين باسم حرية التعبيروهي تهم أدانه  بها القضاء الفرنسي

فلا أحد يتمنى العيش تحت صفارات الإنذارات واللجوء إلي المخابئ الأرضية ، أو الموت برصاصة طائشة أو تحت انقاض المنازل بعد قصفها بالصواريخلا احد يتمنى العيش لحظات الخوف هو يقطع إلى الرصيف الآخر..لا أحد يتمنى إصابة قريب أو صديق تحت القصف مع استحالة مرور سيارات الإسعاف أو انعدام الكهرباء بالمستشفياتلا احد يتمنى عيش لحظات الهروب الجماعي مع أسرته إلى مناطق آمنة قد تبعد مئات الأميال عن مناطق الصراعلا أحد يتمنى تجربة عيش  لحظاتتمييز عنصري  بانتظار السماح بالمرور إلى حدود آمنة ، بعد فحص لون بشرته أو جنسيته أو ديانتهلا احد يتمنى العيش في ظروف الحرب الساخنة الدائرة هذه الأيام في أوكرانيا

المصدر