ARTICLE AD BOX
قراءة خارج جدل السياسة
آراء أخرى
لقد فتح بلاغ الديوان الملكي نقاشا مهما حول الاختصاصات والصلاحيات التي تهم السياسة الخارجية، هل هي مجال محفوظ للملك، أم هناك جهات دستورية أخرى تقاسمه هذا الاختصاص؟ وهل هذا الاختصاص يهم القرارات فحسب، أم يمتد إلى النقاش العمومي وإبداء الرأي؟ وبالتالي لا حق لأي فاعل سياسي التحدث في الشؤون الخارجية للبلد..
وهنا سنقسم الموضوع إلى جزئين، الأول اختصاصات السياسة الخارجية من خلال الدستور ، والثاني اختصاصات السياسة الخارجية بين القرارات والنقاشات..
أولا : اختصاصات السياسة الخارجية من خلال الدستور
لقد توزعت الاختصاصات الدستورية المتعلقة بالسياسة الخارجية في دستور المغرب من حيث الأجهزة والأدوار، ويمكن تحديدها على الشكل التالي : الأمة، الملك، البرلمان، الحكومة، المحكمة الدستورية، وكل من هذه الهيئات الدستورية تتعرض لمسألة العلاقات الخارجية من زاوية اختصاصات محددة دستوريا، وهي كالآتي :
1/ صلاحيات واختصاصات الأمة:
لقد أقر الدستور بمقتضى الفصل 2 أن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها..
وقد تعددت مفاهيم وتعاريف سيادة الأمة، إلا أنها توافقت في مجموعها باعتبارها نوع من أنواع السلطة العليا التي تحتكرها الأمة..
وبصرف النظر عن التطور التاريخي لمصطلح السيادة وعلاقته بالصراعات التي عرفتها أوروبا ولا سيما فرنسا خلال القرن 15 وما بعده، حيث كانت تلك الصراعات محتدمة بين الكنيسة أو الملك وبين تيار التنوير والبورجوازية، وكان من المنظرين لها حينئذ المفكر الفرنسي جان بودان من خلال كتابه : الكتب الستة للجمهورية سنة 1577 وضمنه نظرية السيادة.. إلى أن صدر إعلان حقوق الإنسان سنة 1879 الذي نص على السيادة للأمة وغير قابلة للانقسام ولا يمكن التنازل عنها.. فأضحت سلطة الحاكم مستمدة من الشعب، وظهرت تبعا لذلك فكرة الرقابة السياسية والقضائية لتصرفات السلطة التنفيذية .
إن مضمون سيادة الأمة يتلخص في اعتبار الأمة وحدة مجردة ومستقلة عن سائر الأفراد المكونين لها، فالسيادة لا تكون لفرد أو جماعة، وإنما تنسب للشخص الجماعي الذي يشمل مجموع الأفراد، وهذا الشخص هو ما يعبر عنه بالأمة..
لذلك فسيادة الأمة تكون شاملة ودائمة ومطلقة، ولا تقبل التجزئة، وتتجلى مظاهرها من خلال السيادة الداخلية التي تجد ترجمتها في مواجهة السكان وسياستهم وتدبير شؤونهم، والسيادة الخارجية التي تجد ترجمتها في مجال علاقاتها بالدول الأخرى، وما يصطلح عليه بالسياسة الخارجية..
إلا أن هذه السيادة لا يمكن أن تمارسها الأمة إلا بإحدى وسيلتين؛ بصفة مباشرة عن طريق الاستفتاء، أو بصفة غير مباشرة عن طريق ممثل الأمة وهو البرلماني؛ لذلك فالبرلماني هو ممثل الأمة، والقانون هو الذي يعبر عن إرادتها،وهذا ما عبر عنه الفصل 6 من الدستور عندما نص على ما يلي : القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وبذلك تحد سيادة الأمة من الاستبداد وتغول السلطوية..
وعليه فإن السياسة الخارجية هي من صميم اختصاصات وصلاحيات الأمة باعتبارها تمتلك السيادة الشاملة، التي تمارسها عن طريق الاستفتاء عندما تعرض عليها قضايا أو اتفاقيات تقتضي ذلك، أو عن طريق البرلمان كما سيأتي لاحقا..
والنضال الحقيقي الذي يجب أن تخوضه النخبة السياسية هو أن يتحول مفهوم سيادة الأمة من مبدأ مجرد وعام إلى واقع سياسي ونظام قانوني.. وحق من حقوق كل أفراد الأمة دون استثناء..
2/ صلاحيات واختصاصات الملك:
لقد نظم وحدد الفصل 42 من الدستور صلاحيات واختصاصات الملك في علاقتها بالسياسة الخارجية بصفته رئيس الدولة، وهي على الشكل التالي: الممثل الأسمى للدولة، رمز وحدة الأمة، ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.. وهذه من ضمن المهام التي يمارسها بمقتضى ظهائر من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور..
وهنا لابد أن نقف عند المصطلح الدستوري #صراحة ، بطرح السؤال، هل هناك سلطات دستورية في هذا الشأن تفتقد إلى وصف #الصراحة ؟ وللعلم إن من شأن ذلك أن يضع الفاعل السياسي (سواء كان فاعلا حكوميا أو حزبيا) في ارتباك عظيم أمام بعض السلطات التي تفتقد إلى هذه الصراحة كما هي منصوص عليها في الدستور.. وما وقع مع بيان حزب العدالة والتنمية وبلاغ الديوان الملكي يندرج في هذا الإطار على ما يبدو..
وانطلاقا من الفصل 48 من الدستور الذي يعطي للملك اختصاص ترأس المجلس الوزاري، فإنه وبمقتضى الفصل 49 من الدستور للمجلس أن يتداول في قضايا ذات الصلة بالعلاقات الخارجية، وعلى رأسها التوجهات الاستراتيجية (التي تتضمن ضرورة السياسة الخارجية)، ومن ضمنها إعلان الحصار، وإشهار الحرب.. وكذا تعيين السفراء باقتراح من وزير الخارجية المعني..
وتطبيق الفصل 49 المذكور هو الذي يعطي للملك صلاحية اعتماد السفراء كشكل من أشكال السياسة الخارجية التي تعتمد على العمل الدبلوماسي.. كما ينص على ذلك الفصل 55، وإذا كان هذا الفصل قد منح للملك صلاحية التوقيع على المعاهدات ويصادق عليها، إلا أن الفصل نفسه قيد هذه المصادقة بالموافقة عليها بقانون (يصادق عليه البرلمان) عندما يتعلق الأمر بمعاهدة السلم والاتحاد ورسم الحدود، ومعاهدات التجارة.. إلا أن الفصل ذاته أجاز للملك إمكانية العرض على البرلمان أي معاهدة أو اتفاقية أخرى قبل المصادقة عليها ..
3/ صلاحيات واختصاصات البرلمان:
للأسف فإن صلاحيات واختصاصات البرلمان فيما يخص السياسة الخارجية لم يشملها الباب الرابع الذي خصص له، بل جاءت موزعة على أبواب وفصول الدستور الأخرى، وهذا ما نص عليه الفصل 71 من الدستور الذي جاء فيه: يختص القانون، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور … وعلى إثر ذلك يمكن إدراج مراقبة عمل الحكومة من ضمن سلطاته التشريعية، باعتبار أن السياسة الخارجية هي من ضمن عناصر البرنامج الحكومي الذي يكون موضوع مناقشة وتصويت أمام البرلمان طبقا للفصل 88 من الدستور..
والأمر نفسه نجده في الفصول التالية: 2 و55 والفصل 88 كما تمت الإشارة إلى ذلك، وكذا الفصل 132 كما سيأتي لاحقا لمناقشة اختصاصات وصلاحيات المحكمة الدستورية..
ويبقى الفصل 55 من الدستور هو الأكثر وضوحا عندما أعطى للبرلمان في شخص رئيس مجلس النواب أو سدس أعضاءه، أو شخص رئيس مجلس المستشارين أو ربع أعضاءه صلاحية إحالة أمر يتعلق بالتزام دولي يتضمن بندا يخالف الدستور قصد البت فيه..
4/ صلاحيات واختصاصات الحكومة:
إن علاقة الحكومة، بصفتها سلطة تنفيذية، بالسياسة الخارجية نظمتها العديد من الفصول الدستورية. وإذا كانت الحكومة تتألف من رئيسها والوزراء، فإن وزير الخارجية هو عضو فيها ويعمل – بمقتضى الدستور – تحت رئيسها (الفصل 87)، وحسب الفصل 88 فإن الحكومة ملزمة بتضمين برنامجها المعروض على المناقشة والتصويت أمام البرلمان شق متعلق بالسياسة الخارجية.. وهذا ما أكده الفصل 93 من الدستور الذي نص على أن الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي، فهل هل وزراة الخارجية قطاع ضمن السياسة الحكومية أم خارجها؟
وسؤال آخر، هل وزير الخارجية يمارس سلطته التنظيمية بتفويض من رئيس الحكومة حسب منطوق الفصل 90، أم بتفويض من الملك؟ علما أن الملك يقوم بتعيين الوزراء باقتراح من رئيس الحكومة، والفرق واضح بين سلطة التعيين وسلطة التفويض..
وأهم ما جاء في صلاحيات الحكومة في مجال العلاقات الخارجية، هو ما نص عليه الفصل 92، حيث أعطاه صلاحية التداول في المعاهدات والاتفاقيات الدولية قبل عرضها على المجلس الوزاري، ورغم أنها صلاحيات محدودة في إطار التداول فقط، فيبقى عرضها على المجلس الحكومي – دون البرلمان – مسألة دستورية لا يمكن القفز عليها.. ومن هذا المنطلق يمكن إثارة السؤال التالي: هل تم تداول اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني/اليهودي على المجلس الحكومي قبل عرضها على المجلس الوزاري؟ كل الشواهد والأدلة والمعطيات تجيب بلا !! إذن ما هي الخلاصات الدستورية التي يمكن أن نستنتجها من عدم مرور هذه الاتفاقية لا على المجلس الحكومي تطبيقا للفصل 92، ولا على البرلمان تطبيقا للفصل 55 ..؟ هل اتفاقية التطبيع هي من الاتفاقيات التي ليس من الضروري احترمها للمسار الدستوري المشار إليه؟ هل تندرج ضمن الصلاحيات الخاصة بالملك والتي تعفيه من احترام الفصلين 55 و92؟ قبل الجواب عن هذه الأسئلة لابد من قراءة عميقة لبنود اتفاقية التطبيع موضوع هذا الجدل السياسي..
١5/ صلاحيات واختصاصات المحكمة الدستورية:
يبدو من خلال الفصلين 55 و132 أن صلاحيات المحكمة الدستورية ذات طبيعة قضائية قصد النظر في دستورية الالتزامات ذات الطبيعة الدولية إذا تضمنت بندا يخالف الدستور.. وهذا نوع من أهم أنواع الرقابة القضائية الذي يعطي للمحكمة الدستورية صلاحية النظر في بعض الاتفاقيات الدولية.. وهو ما يعني صراحة إحدى الصلاحيات والاختصاصات في الشؤون الخارجية ولو من باب المحكمة وليس من باب السياسة والدبلوماسية ..
ثانيا: اختصاصات السياسة الخارجية بين القرارات والنقاشات:
يتضح من خلال الجولة الدستورية حول الفصول التي نظمت علاقة مختلفة المؤسسات الدستورية بالسياسة الخارجية، أن هذا المجال يشترك فيه كل من الأمة والملك والبرلمان والحكومة والمحكمة الدستورية، كل من موقعه وتخصصه وصلاحياته.. وهي اختصاصات وصلاحيات تختلف من حيث القوة الدستورية، وتتعدد من خلال المركز القانوني لكل جهة، إلا أنها تتكامل وتتوحد من خلال الاهتمام ..
وهنا لابد أن نفرق بين نقاش السياسة الخارجية التي تهم البلد، وبين اتخاذ قرارات تهم السياسة الخارجية..
فمن خلال فصول الدستور يتأكد أن البرلمان الذي له صلاحية المصادقة على بعض الاتفاقيات الدولية، لابد أن يخضع هذه الاتفاقيات إلى التداول والمناقشة، والحكومة لابد لها أن تتداول في ذلك قبل عرضها على المجلس الوزاري، وعلى المحكمة الدستورية أن تقوم بالتداول قبل النظر في دستورية بعض الاتفاقيات الدولية.. وهكذا فإن المناقشة من مواقع مختلفة ضرورة دستورية وحتمية واقعية لا يمكن إلغاؤها..
كما خول الدستور للأمة نفسها مناقشة وتداول قضايا الأمة المصيرية، واختيار من ينوب عنها بطريقة غير مباشرة في البرلمان من أجل ذلك، وعليه لابد أن يكون الاختيار عن طريق برنامج انتخابي يتضمن رؤية ذلك المنتخب في بعض السياسات الخارجية، وإلا لن يصبح أي معنى لأي انتخابات سياسية إذا لم يكن ذلك جزء من التباري الانتخابي.. وهذا ما أكده الفصل 25 من الدستور الذي أكد على أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها.. فهل يعقل حقوقيا وقانونيا ودستوريا أن يتم استثناء إبداء الرأي في قضايا السياسة الخارجية التي تهم الوطن؟
وخلاصة القول، لا يوجد في الدستور ما يمنع فردا أو جهة أو حزبا .. من إبداء رأيه في السياسة الخارجية للوطن سواء بالتأييد أو المباركة أوالنقد أو الاعتراض .. بل إن الدستور يؤكد على أحقية الكل في مناقشة السياسة الخارجية بكل حرية ومسؤولية.. وضمن الوحدة الوطنية..
وختاما، ما هي دلالات وأبعاد بلاغ الديوان الملكي؟ هل هو يؤشر على دخول مرحلة سياسية جديدة؟ هل يشكل منعطفا خطيرا في تعاطي الدولة مع حرية الرأي عامة وحرية الأحزاب خاصة؟ هل هناك معطيات سياسية مشمولة بالسر والكتمان تفرض احتكار الدولة لملف السياسة الخارجية؟ هل هذه رسالة موجهة إلى حزب العدالة والتنمية ومن وراءه كل ألوان الطيف السياسي تخبرهم من خلالها موت آخر زهرة أزهرت خلال فترة الربيع العربي؟ من وراء هذا البلاغ؟
.jpg)
منذ 3 سنوات
4







