ARTICLE AD BOX
عبد الإله شرفي
إمتحان بلون الميزوجينيا
الأحد 14 يونيو 2026 | 14:05
يعتقد البعض أن المرأة جعلت فقط للزواج وإنجاب الأطفال.
آراء أخرى
– هل أنت مع هذا الرأي؟
– حرر نصا تعرض فيه وجهة نظرك بالاعتماد على الأدلة والأمثلة.
لو طُرح مثل هذا الموضوع بمدارس طالبان أو داعش لما أثار استهجان أحد. لأن الأمر يتماشى وفق مكانة المرأة وسط تلك الكيانات السياسية القابعة خارج التاريخ، إذ يعتبرونها عورة، مكانها البيت ووظيفتها الانجاب. أما أن يُطرح مثل هذا الموضوع في دولة لا تغيب فيه المرأة عن الفضاء العام، يقر دستورها بمواطنتها الكاملة وبالمساواة المطلقة بين الجنسين، تشغل وظائف مهمة داخل الدولة ودائمة الحضور في الخطاب الرسمي، فهذا لا يبعث على الإحباط والسخط فقط، بل يؤشر على نوع من الشيزوفرينيا المؤسساتية داخل الدولة.
وهنا نتساءل. كيف مر الامتحان الجهوي الموحد للسنة أولى بكالوريا لمادة الفرنسية هذا بجميع مراحله الملزمة: من اقتراح-إعادة قراءة- اعتماد- طبع إلى أن وُضع على طاولة الامتحان دون أن يثير حفيظة أحد. هل تسائل معدوه عن الأذى النفسي الذي يمكن تسببه للتلميذة الطامحة لتحقيق ذاتها عبر المدرسة، حين تجد ان نفس المدرسة تطلب منها أن تحاجج عن كونها إنسان حدث أنها امرأة، كما هو الأمر بالنسبة للرجل، انسان حدث أنه رجل. أي انسان كامل الإنسانية من حقها أن تحدد مصيرها بإرادتها المستقلة لا أداة بيد الغير.
ثم لماذا علينا ان نتفاجأ إن قرأنا مثلا في ورقة تلميذ له نفس وجهة نظر” يعتقد البعض” عبارة من هذا النوع (إن المرأة ناقصة عقل ودين وبالتالي دورها لا يمكن أن يتعدى سقف الزواج وإنجاب الأولاد). كيف يمكن تقييم هذا الرأي مادام السؤال صيغ بطريقة تقر بصوابية المرافعة عن وجهة النظر هذه!
يشرح لنا عالم اللسانيات الأمريكي جورج لاكوف، في نظريته المسماة نظرية التأطير: أنه عندما نريد نفي فكرة معينة فإننا نخلق لها مسارا دهنيا يعمل على ترسيخها بدلا من محوها. هذا يعني أنه حتى بالنسبة للتلاميذ(ة) الذين لم تكن نظرتهم للمرأة متطابقة مع الصورة التي رَوج لها السؤال، فإن محاولة نفيهم لها تعمل بشكل غير مباشر على توليدها وخلقها لتترسب في وعيهم قابعة هنالك كندبة جرح قديم. جرح لما كان له أن يكون لو لم توضع السكاكين بين أيدي المعتوهين.
يتجاوز السؤال إذن كونه مجرد هفوة، سقطة معرفية لمن اقترحوه. لكنه في الحقيقة سؤال مخادع. فعندما طُرح بصيغة المرأة جعلت فقط فهو بشكل آخر، يحصرها في وظيفة اجتماعية واحدة، يمنحها تعريفا وغاية وهو ما يُفضي بها إلى نوع من التفقير الوجودي. فاختزال المرأة -كما الرجل- في دور محدد، في خانة بعينها هو شكل من أشكال التشييء. ومنه فخطورة السؤال لا تتمثل في الاختزال، بل في السلب، تجريد المرأة من انسانيتها والتعامل معها بقاموس الأدوات والأشياء. أداة للإنجاب والمتعة. يشبه الامر وضعية العبد زمن العبودية: أداة للعمل والخدمة.
لننتقل الآن إلى عالم الخيال، لنطل من خلاله على بؤس عالم الواقع. مع الرائع غابرييل ماركيز، المحب والمجِل لشخصياته الروائية النسائية حتى العاهرات منهن. لنتأمل مسار شخصية أورسولا في رائعته مئة سنة من العزلة. المرأة التي عاصرت ستة أجيال من عائلة بويندا. زوجة، أُمّاً، ثم جدة. أمضت حياتها متسلحة بالعقل والصبر والواقعية والإرادة وحسن الإدارة. وفيما يموت الرجال جيلا بعد جيل، غرقا في هواجسهم وحروبهم العبثية، مطاردين الأوهام والسلطة، تصارع هي لحماية العائلة من المجاعة، تعيد بناء المنزل وتتخذ القرارات المصيرية عندما يعجز الرجال عن ذلك. خالقة بذلك توازنا داخل العائلة والقرية.
من سمحوا لذلك الامتحان أن يمر، من الوزير الذي سقط سهوا على الوزارة حتى آخر موظف كان بإمكانه إيقاف المسخرة، يخيفهم أن يصير كل النساء أورسولا. لأن ذلك سيعريهم ويكشف ضعفهم وسيعدل ما رسخه التاريخ والثقافة من خلل. لذلك يحاربونها بشتى الطرق. فعقولهم الصغيرة المجتمعة التي لا تساوي نزرا من عبقرية ماري كوري ولا نتفة من عمق فكر حنا أرنت ولا لمحة من خيال فيرجينيا وولف، لا يمكنها أن تقوى على ذلك إلا بالاعتماد على الصور النمطية المكررة المستصغرة لقدراتها بنفس ميزوجيني مكشوف.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







