إلياس خوري: النضال الفلسطيني يحتاج إلى بداية جديدة ترتكز على المقاومة الشعبية

منذ 1 سنة 2
ARTICLE AD BOX

إلياس خوري: النضال الفلسطيني يحتاج إلى بداية جديدة ترتكز على المقاومة الشعبية

إلياس خوري

الجمعة 20 سبتمبر 2024 | 12:41

إلياس خوري، الذي توفي في 15 شتنبر 2024 عن عمر يناهز 76 عامًا، كان واحدًا من أبرز الكتاب والمفكرين السياسيين اللبنانيين، ومساهمًا هامًا في قضايا السياسة اللبنانية والفلسطينية على مدار حياته. حواره الأخير مع إيلان بابيه، المقتطف من كتاب “فلسطين في عالم مشتعل”، يعكس رؤيته العميقة والمعقدة حول الحرب الأهلية اللبنانية وعلاقتها بالتاريخ والمقاومة، فضلاً عن تحليله المستمر للأزمات السياسية والاقتصادية في لبنان وفلسطين.

يعد هذا الحوار، الذي نشره موقع “مشروع أبحاث ومعلومات الشرق الأوسط”، تفاعلاً مهماً بين اثنين من أبرز المفكرين حول قضايا النضال التحرري في فلسطين والشرق الأوسط. يستعرض خوري في هذا الحوار أفكاره حول الحرب الأهلية اللبنانية، والهوية الطائفية، والحالة السياسية في لبنان وفلسطين، ويشارك في مناقشة معمّقة حول دور الأدب في زمن الصراع. يعكس الحوار الفهم العميق لدى خوري للعلاقة بين التاريخ والمقاومة، والارتباط الوثيق بين الصراعات الداخلية والإقليمية.

يبدأ الحوار بالحرب الأهلية اللبنانية، حيث يرى إلياس خوري أن الحرب لم تكن مجرد حدث تاريخي انتهى، بل هي جزء من بنية الأمة اللبنانية، تترك ندوبًا عميقة ولا يمكن الهروب منها. يشير خوري إلى أن روايته “المرايا المكسورة”، التي تتناول فترة ما بعد الحرب، تعبّر عن هذا الاستمرارية للصراع في لبنان. الحرب بالنسبة لخوري ليست حدثًا ذا نهاية خطية، بل حالة ذهنية دورية تستمر في التأثير على الناس والأدب. ويرى أن الحرب الأهلية فتحت المجال للأدب اللبناني للتطور، حيث أتاحت الفرصة للكتّاب للتحرر من سيطرة الشعر الرومانسي الحنيني الذي كان يعكس صورة مثالية للبنان، والانتقال إلى “كتابة الحاضر” التي تركز على الواقع المعاش في ظل الحرب والصراع.

ثم يقدم خوري تحليلاً للتاريخ اللبناني من خلال التأكيد على أن الحرب الأهلية في لبنان ليست مجرد تكرار للأحداث الماضية، بل هي استمرار لأزمات متواصلة منذ القرن التاسع عشر. حيث يشير إلى أن لبنان المعاصر تشكل نتيجة لتدخل القوى الاستعمارية الأوروبية في المنطقة، وتحديدًا الحرب الأهلية الأولى عام 1860 التي أسهمت في إنشاء الدولة اللبنانية الحديثة. لكنه يرى أن هذه الحرب الأهلية الأولى لم تلق الاهتمام الكافي من الكتّاب في ذلك الوقت، مما يسلط الضوء على مشكلة تجاهل الواقع في الأدب. بالنسبة لخوري، فهم الماضي والحاضر يتطلب مواجهة الحقائق القاسية بعينين مفتوحتين، وهذه المواجهة هي ما يمكّن الأدب من الوصول إلى مستوى أعلى من الأصالة والعمق.

ويرى المفكر اللبناني أن مسألة الطائفية هي نتاج حديث للعوامل الاستعمارية والدكتاتورية في المشرق العربي. مشيرا إلى أن الهويات الطائفية في لبنان وسوريا والعراق لم تكن جزءًا أساسيًا من الهوية الوطنية، ولكنها أصبحت أكثر بروزًا نتيجة للسياسات الاستعمارية والأنظمة الدكتاتورية التي استخدمت الطوائف كوسيلة للسيطرة على المجتمعات. ويعتبر خوري أن الطائفية ليست قدرًا حتميًا، بل هي بنية سياسية يمكن التخلص منها، وأن الهوية الفردية والجماعية في المنطقة أكثر تعقيدًا وغنى مما تصوره الإيديولوجيات الطائفية.

في هذا السياق، يقدم خوري قصة عن محاولات الفرنسيين خلال الانتداب تقسيم سوريا إلى خمس دول طائفية، ويشير إلى أن الدولة الوحيدة التي نجت من هذا التقسيم هي لبنان، بسبب البنية السياسية الطائفية التي تشكلت منذ القرن التاسع عشر. لكنه يؤكد أن الانتماءات الطائفية والهويات المتعددة ليست بالضرورة مدمرة، بل يمكن أن تكون مصدرًا للثراء الثقافي والإنساني إذا تم التعامل معها بجدية ومسؤولية.

خوري يرى أن الأدب يلعب دورًا مهمًا في تفسير وفهم الأحداث السياسية والصراعات الاجتماعية. ففي كتاباته، يتحدث عن الفسيفساء الهوياتية التي تتضمن مستويات متعددة من الانتماءات الدينية والثقافية، ويعتبر أن الأدب قادر على تقديم روايات مختلفة تعكس تعقيدات الواقع. ويعارض خوري الفهم الاختزالي للهويات الذي قد يؤدي إلى العنف والحروب الأهلية، مشيرًا إلى أن الأفراد في المجتمعات العربية لا يحملون هوية واحدة ثابتة، بل هويات متعددة ومتغيرة.

ثم ينتقل المفكران لاحقا الى الحديث عن القضية الفلسطينية، حيث يعبر خوري عن ارتباطه العميق بالقضية الفلسطينية منذ شبابه، مشيرًا إلى أن النضال الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من نضالات الشعوب العربية ضد الاستعمار والاضطهاد. يركز على أن الحركة التحررية الفلسطينية بحاجة إلى بداية جديدة تستمد قوتها من النضال الشعبي والمقاومة ضد الاحتلال والفصل العنصري. ويستشهد خوري بحوادث حديثة، مثل اغتيال باسل الأعرج وهروب الأسرى الفلسطينيين من سجن جلبوع، كأمثلة على الروح المستمرة للمقاومة.

ويرى خوري أن الوضع الراهن في العالم العربي، سواء في لبنان أو فلسطين أو غيرهما، يحتاج إلى بداية جديدة تُبنى على أسس المقاومة والنضال من القاعدة الشعبية. وهو يعتبر أن النضال التحرري الفلسطيني يتطلب رؤية جديدة، بعيدًا عن السياسات القديمة التي فشلت في تحقيق تقدم ملموس. بالنسبة له، الأدب والسياسة لا ينفصلان، وكلاهما يحتاج إلى شجاعة مواجهة الواقع والسعي نحو التغيير.

وقال المفكر اللبناني، إننا في حاجة إلى شيء جديد تماماً في ظل وضع جديد كشفت فيه الأنظمة الدكتاتورية العربية عن وجهها الحقيقي ـ وجه آخر للاستعمار والصهيونية. معتبرا أن والفلسطينيين ليسوا وحدهم. بل إنهم وحدهم إذا ما فصلوا نضالهم عن نضال العرب من أجل الديمقراطية، وعن النضال من أجل المساواة والإنسانية على المستوى الدولي. وأضاف: “إننا لسنا وحدنا. ولكننا في حاجة إلى إيجاد السبل الكفيلة بإعادة بناء هذا النضال والشعور الجماعيين حول فلسطين.”.

المصدر