إشكاليات تنظيم الإضراب.. مساهمة في النقاش العمومي

منذ 1 سنة 2
ARTICLE AD BOX

رشيد بوصيري

إشكاليات تنظيم الإضراب.. مساهمة في النقاش العمومي

الثلاثاء 28 يناير 2025 | 11:49

الإضراب حق مشروع

1 – النقاش حول ماذا؟

آراء أخرى

  • التنوير بين ابن رشد وكانط

  • نتنياهو والمحرقة: من محكمة التاريخ إلى محكمة لاهاي

  • متى تأخر المسلمون، وتقدم غيرهم؟

أصبح من متطلبات الاتفاقيات الاجتماعية بين أطراف الشغل أن تلتزم النقابات بتأطير العمال وِفق قواعد الانضباط وإقرار السِّلم الاجتماعي، ولنفس الهدف يلتزم أرباب الشغل باحترام الحرية النقابية وإشاعة مناخ التفاهم والحوار الدائم. وهكذا يظهر أن محور التفاهم هو «السلم الاجتماعي» الذي ينبغي أن يسود علاقات الشغل الفردية والجماعية، داخل مؤسسة قد لا يتجاوز عدد المستخدَمين فيها مائة أجير يمثلهم مكتب نقابي مكون من بضعة أفراد.

كيف يمكن لمكتب نقابي يمثل عشرات العمال أن يهدد السلم الاجتماعي داخل مقاولة صغيرة؟ وهل يستوي هذا التهديد عندما تكون النقابة فاعلة داخل مؤسسة متوسطة أو كبيرة تنشط في مجالات الصناعة والتجارة والخدمات أو في المرافق العمومية؟ وما هو السلاح الذي يمكن أن يهدد السلم الاجتماعي إذا أخل أحد أطراف الإنتاج بالتزاماته؟ وهل يمكن ضمان السلم الاجتماعي فقط من خلال التزامات طرفي الإنتاج عندما تكون عوامل التوتر والسخط والإحباط تتفاعل داخل المجتمع وليس فقط بين قطاعات الشغل الخاصة والعامة؟

معلوم أن المجتمعات الغربية في بداية تشكلها العصري والحداثي، وقبل استقرار نماذجها الديمقراطية، كانت في مخاض الحروب الاجتماعية التي سيستعمل فيها سلاح الإضراب داخل المصانع الصغرى كما الأوراش الكبرى ثم داخل مرافق الدولة عندما تكون هي المُشغّل أو تنحاز إلى أصحاب المال والأعمال من الخواص. وفي فترات تاريخية كان هذا الإضراب عامّا بحيث يتسبب في تقييد أو توقيف جل عجلات الاقتصاد، أو يتحول إلى عصيان مدني يرفض الانسياق للقواعد الاقتصادية والمقتضيات السياسية والضوابط القانونية، ثم إلى ثورة اجتماعية تريد تغيير تلك القواعد والمقتضيات والضوابط ضربة لازب بدون تدرج أو توافق.

ويختلف أصحاب الأيديولوجيات المتعارضة أو المتناقضة في وصف الإضراب فمنهم من يعتبره «مدرسة حرب» لأنه يساهم في توعية العمال وتدريبهم في الميدان على منهجيات شن الحرب على أعدائهم الطبقيين من أجل تحرير أنفسهم أولا ثم الشعب ككل من الهيمنة الرأسمالية والسياسية. وعلى النقيض يتصور آخرون الإضراب ليس باعتباره حربا وإنما شعارا للسلام، فالعمال عندما يُضربون فهم يعلنون السلم مع أنفسهم أولا ثم مع مشغليهم ثانيا ثم مع المجتمع بشكل شامل. وهكذا يَعبُر الإضراب الحقول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى السيكولوجية باعتباره وسيلة لإثبات الذات الجماعية وسلاحا قويا بيد العمال، تطور عبر الزمن، للدفاع عن مصالحهم المادية والمعنوية.

وكيفما كانت حجج الرافضين لهذه الممارسة، التي تحمل تهديدا مستمرا ضد مصالحهم المباشرة والضمنية، فإن الإضراب استطاع عبر مسيرته التاريخية أن يكون من بين العوامل الأساسية والمحفزة للتطور الصناعي والاقتصادي ثم للتحول الحداثي والديمقراطي. فكثير من الباحثين يعودون بالمكننة إلى الإضرابات العظيمة في أوراش الصناعات الأولى والتي دفعت بالرأسماليين لتشجيع البحث العلمي والتقني من أجل اختراع آلة تقوم بالعمل لكيلا يضلوا طويلا تحت رحمة العمال المتحالفين ضدهم.

وعندما دخلت هذه الآلة إلى المعامل أصبح العمال في مواجهة مع «فاعل غير بشري» سيحفز سلوكهم الجماعي للمقاومة بطرق جديدة، وعندما التقت هذه النفسية العمالية مع الإيديولوجيات الاشتراكية تحول الصراع ضد آلة المصنع إلى صراعات ضد آلة الدولة عبر جولات تمكنت من إنشاء حالة «الردع المتبادل» للتفاوض على خلفية قوى متوازنة، بين العمال والرأسماليين في المرحلة الأولى، وفي مرحلة ثانية بين الحركات العمالية ومؤسسات السلطة والنظام العام.

ويحتفظ الإضراب بتاريخ طويل منذ توقف عمال المعابد في مصر القديمة عن العمل، إلى إضراب الرقيق في اليونان الذي تحول إلى ثورة العبيد، ثم إضراب الحب الذي قامت به النسوة بتنسيق جماعي من أجل الاحتجاج ضد الحروب لكنه ورد فقط في مسرحية ليسيستراتا الشهيرة في 411 قبل الميلاد، فإضرابات الجنود في العصور الوسطى، ثم إضرابات الطوائف المهنية القديمة، حتى جاءت الثورة الصناعية ومعها إضرابات البروليتاريا في الدول الصناعية، ثم إضرابات التحرر من الاستغلال والاحتلال على خلفية الإمبريالية الأولى، ثم إضراب الرضاعة لبعض نساء أمريكا الجنوبية، فإضراب الختم حين امتنع السلطان محمد الخامس عن توقيع ظهائر الحماية، ثم الإضراب الصحي الأكبر في كل العصور من حيث عدد المتوقفين عن العمل ومدة العطالة وقيمة الخسائر بسبب الحجر الصحي الذي فرضته جل الحكومات في سنة 2020.

أكيد لا يدخل أي من الإضرابات التي ذكرنا في الفقرة الأخيرة في التعريف القانوني للممارسة الحديثة لحق الإضراب كما سنرى، لكن استعمال المؤرخين لمصطلح الإضراب كتعبير عن وقائع في الفعل الجماعي على خلفيةٍ مقاوِمة يُعدّ دليلا على أن المصطلح قد اكتسب شرعية تاريخية عبر قرون طويلة وتحول خلالها من مجرد ظاهرة على هامش الواقع إلى فعل جماعي في قلب الصراع.

يحتفظ تاريخ العالم وكذلك الحوليات السياسية والاجتماعية بمحطات بارزة كانت فيها الإضرابات هي محفزات الإطلاق والتعبئة لخروج انتفاضات شعبية هددت النظام الاجتماعي لفترة محدودة، أو كانت محفزات لنشوء وولادة الحركات الجماعية حسب تعبير السوسيولوجي الإيطالي فرانسيسكو ألبيرونى. والشاهد عندنا أن المخيال الشعبي والعمالي في المغرب لا يحتفظ إلا بالإضرابات التي كانت سببا في انتفاضات شعبية (نوع من الفعل الجماعي) كإضرابات: 1952، و1965، و1972، و1981، و1990، هذا رغم أن “الإضرابات العادية” كانت بالآلاف في تاريخ المغرب الحديث فهذه الأخيرة كانت تُذكر في الإحصائيات الرسمية والأممية ثم تُنسى لأنها كانت وقائع غير بارزة.

منذ عهد الحماية كانت المستعمر يتخوف من سلاح الإضراب ليس باعتباره توقفا جماعيا عن الشغل يصيب الإنتاج بأضرار اقتصاية فقط، ولكن باعتباره محفزا للتحول إلى حركات اجتماعية تحمل خطرا يتعدى إضعاف الاقتصاد إلى تهديد النظام العام، لذلك نقرأ في إحدى جرائد الحماية الفرنسية في المغرب تحريضا متكررا على استعمال القوة العسكرية لطرد المضربين من الأهالي عندما يحتلون بعض المصانع بشكل ثوري.

لكل ذلك، لا يفهم الإضراب من يقصر النقاش أو الدراسة بخصوص ممارسة الإضراب والنزاعات الجماعية على الخلفية الاقتصادية والمادية فقط، لأن تلك الحدود ستفوت الفرصة على المتأمل والباحث الجاد للتعرف على مُركّبات الطبيعة الصراعية في السلوك الفردي والجماعي للإنسان خاصة داخل حقل نزاعات الشغل التي تحفز ذلك السلوك بعوامل نفسية فوق المصالح المادية.

ـ دكتور في الحقوق، وباحث في الحركات الاجتماعية

المصدر