أيام الحومة الأولى: فرن الحي

منذ 4 سنوات 9
ARTICLE AD BOX

كل من قضى ردحا طويلا،ضمن زخم فسيفساء البنية المجتمعية المعروفة بالحومة أو الحارة القديمة،إلا ويجرّ خلفه بالتأكيد سلسة قيم ووقائع تقاسمها بكيفية مباشرة أو ضمنيا، مع ساكنة الفضاء العتيق.ربما،ازدادت حرقة وهج الاشتياق؛كلما تقادم العهد واتسعت فجوة ابتعاد أيام زمان،مما يعني انتسابه حتما إلى هذه المنظومة الأنثروبولوجية الغنية،سنوات أصالة الحاضرة تاريخيا،كمراكش مثلا،مجال حديثي،قبل أخذها وجهة هوياتية بلا هوية إنسانية حقيقية واضحة المعالم.

آراء أخرى

  • لا لتجريم الاحتجاج السلمي!

  • جاك رانسيير بين التحرر الفكري والديمقراطية الجذرية

  •  "عقيدة التوحيد من دليل الزوجية والنسب في الفكر الإسلامي"

طبعا،ليس كلّ عتيق مفعم بعبق التراث،يعتبر جديرا باستعادة الحديث عنه،بل قد لايستحق ولو مجرد التفاتة.أيضا،لايمثل كلّ تحقق معاصر،سياقا معقولا ومطلوبا قابلا للاستساغة، يلزمنا أن نحيا به ومعه وتحت سقفه. بل،عديدة الأشياء المتحققة جراء حداثة الزمان الراهن، تظل مجرد انعكاس مقلوب لتعليلات شَرْطية مثلما يفتحها أفق حرف ”لو”.

الحومة إطار عمراني صغير، متكامل الروافد، يحوي مجاله المادي تجمعا أسرويا متعددا يقارب عددا معينا، يغدو مع ترسخه الزماني،انتماء ساكنة معينة من خلال انتسابها الهوياتي للمنطقة،مسألة لاغنى عنها.غاية مستوى تصدّر،هذا الانتماء المجالي بكيفية عفوية على حساب نظيره البيولوجي،حين تأكيد المتحدِّث انحداره السلالي من حومة معينة؛قبل الانتقال إلى الكشف عن نسب اسم أبيه.ملاحظة توضح،مدى تجذر الحضور النفسي لارتباط من هذا القبيل.

لذلك،وقبل أن تجسِّد الحومة جغرافية اجتماعية واقتصادية مهيكلة شكلا وغنية مضمونا، توفر لساكنتها أهم مقومات المعيش اليومي : دكاكين، ورشات حرفيين، فرن، حمّام،مراحيض،سوق صغير للخضر والفواكه.أقول،قبل ذلك وبعده،وطَّدت أدبيات الحومة التراثية لدى الساكنة روابط اجتماعية وقيما إنسانية،رسمت في نهاية المطاف أفقا موحِّدا على أصعدة مختلفة،عَكَسَ زخم حضور قائم بذاته؛ يناظر تشكُّلات من نفس العيِّنة،تتجلى لدى مجموعة ثانية تتلاءم بتعددها داخل حومة أخرى؛غير بعيد في جهة أخرى من هندسة المدينة العتيقة.

اكتشفتُ منذ نعومة أظافري،في خضم أجواء الحومة،منظومة فسيفسائية ثرية.خريطة حياة صغيرة،تنمّ يومياتها عن مكامن سُبُل درس الحياة تبعا لتعقيدات مشهده الكبير.فقد قضيت سنوات معتَبَرة،تحت أسقف دروب الحومة،قبل المغادرة أواسط التسعينات نحو خارج أسوار المدينة القديمة.فترة،استلهمت خلالها إيتيقا الحس الإنساني،ولعل أهم قيمة أستحضرها غاية اللحظة، من وقائع تلك الأيام التي صارت حاليا بعيدة جدا،مسألة التناغم المجتمعي بين الأفراد، وكذا الخاصية المذهلة فيما يتعلق بشيم التكافل والتراحم.

الحومة وحدة تنظيمية ميكروفيزيائية،أرست لأهلها مقومات البقاء المادي والمعنوي والروحي.تكوَّنت،من أسِّ الأسرة كنواة صغرى،فالجيران ثم سلسلة جيران،تراصت منازلهم متلاصقة على امتداد درب عريض أو ضيق،طويل جدا أو شيئا ما،حسب عدد قاطنته.متى طال عهد إقامة أسرة معينة داخل الدرب،إلا وأضحت مشهورة مثل نار على عَلَم،ربما بلغ بها المقام حينها تسمية الدرب بلقبها العائلي.

استقرت العائلات داخل تلك الدروب لسنوات طويلة،إلى درجة أنها أصبحت كتلة واحدة تتقاسم كل شيء؛الطعام فالهواجس والآمال والآلام،محيطة بأسرار بعضها البعض وشتى التفاصيل الحميمة.توارث الأبناء والأحفاد  نفس الثقافة المتأصلة،مادام مفهوم الانتقال أو الترحال بتغيير المنازل والتحول صوب أخرى،قد اشتغل أساسا ضمن حدود الحومة نفسها.ولم يبدأ انفكاك نسيج هذه الوحدة،سوى حين انفتاح مجال المدينة على حيز آخر للعمران تجاوز بجنون فظّ محيطها التاريخي،ونبتت مخلفاته عشوائيا في كل مكان،مستجيبا فقط لشراهة مرض أهل أفق الاسمنت.

إذن،وضعية الارتباط بالمكان تلك،وقضاء أغلب الأفراد،جلّ مراحل حياتهم داخل نطاق نفس الجغرافية،باستثناء الذين غادروا المغرب باكرا نحو بقاع العالم،ستضفي بطاقة تعريفية موحَّدة وشبه متماثلة على إحداثيات الحيز،مهما اتسعت مساحته وتعددت مداخل ومخارج زقاق الحومة،معطى يجعلنا نحدس من الوهلة الأولى،الساكنة الأصلية قياسا للغرباء والوافدين.أكثر من ذلك،يكفي أيّ زائر أتى من مدينة أو حومة أخرى،ساعيا الاستفسار عن صاحب منزل معين،المقصود كوجهة،التلفظ عند أولى عتبات وجهة الحومة،باسم العائلة المراد زيارتها كي يتم بسرعة الاهتداء به وإرشاده بلطف ومودة حتى عتبة المنزل.

قدمت الحومة فلسفة جماعية قوامها نسيجا واحدا كالبنيان المرصوص،تقاسم معه جماعة أفراد،حمولة قيم تلحم أدق التفاصيل الصغيرة لنتاج يومياتهم،جعل من هذا الفضاء ااسوسيو-تربوي المدهش  إبان أزمنة ازدهاره وتألقها القيمي،ملاذا رحيما وملجأ لمن لاملجأ له،فلامكان هناك لمشاعر الاغتراب أو الإقصاء أو التفاوت الطبقي المهول.معاني ضاعت مدلولاتها الحسية،حينما انسلخت المدينة عن كنهها الإنساني منساقة في نهاية المطاف وراء متاهة بلا منفذ،يستحيل تحديد ملمح حقيقي لها؛مادامت هي خلطة هجينة بكيفية حمقاء.

تستيقظ الحومة وتنام على دأب حركة فضاءات وتيمات ومقومات،تشكِّل إطارا محددا لصياغة رؤاها إلى العالم :

*الفرن :بناية تليدة شبه مظلمة أقرب إلى جوف مغارة موحشة.هكذا،اتفق شكل الأفران في مراكش إبان سياق مركزية مفهوم الحومة.لذلك،يظل خيط ذلك المصباح الكهربائي المتهالك وقد أفقده بصق كثيف للذباب غشاءه الأول،مضاء وإن بكيفية فاترة لاتغني ولاتسمن،طيلة اليوم غاية إغلاق الفرن.

يدبر شأنه،شخصان إلى ثلاثة على أبعد تقدير،حسب المناسبات.لكن يؤنسهم باستمرار شرذمة قد تكون مستقرة العناصر أو بالتناوب،تقاسمهم طوعا لاكرها طقوس يوميات الفرن.يجلسون عند زاوية قصد تجاذب أطراف أحاديث طويلة دون كلل ولا ملل،على إيقاع وشوشة ماتجود به قريحة راديو الترانزستور،يرتشفون في تؤدة أهل الكهف نكهات أباريق شاي وكذا  استنشاق كهنوتي لِعِطر عشبة الكيف.

هكذا،لعب فضاء الفرن،بجانب دوره التقليدي،المتمثِّل طبعا في طهي الخبز دورا ثانيا تجسَّد في كونه مأوى آمنا،لكل من توخى الاستكانة خلسة إلى دهشة تدخين سيجارة أو لفيفة مخدر في مأمن تام عن الأنظار،وتزداد حلاوة جلسات الفرن خلال فصل الشتاء حينما يسود المدينة برد قارس.لذلك،حينما كانت أمي أو جدّتي،تنهضني وأنا أصب جام لعنتي على نفسي والجميع،من شرود دفء بطانية وبصدد تقشير وتناول ثمرة البلوط،وحواسي قد تسمَّرت كلية نحو التلفاز الصغير بلونيه الأبيض والأسود،وهو يبعث بلذة لاتوصف إحدى روائع مغامرات سندباد وياسمينة أو جون سيلفر في جزيرة الكنز.متعة،لايعادلها كنز آخر بالنسبة إلي، تستغرق عشرين دقيقة تقريبا،غير قابلة للتعويض غاية أمسية اليوم الموالي،يلزم بعدها الانكباب على تهيئ الواجبات المدرسية.بدل ذلك،أجدني أمام عرض مضجر لمجمر طيني أضحى ثقيلا جراء فعل الزمان،كي أسرع نحو فرن الحومة وأنا أراوغ بتقنيات محمد علي قطرات مطر خفيفة و دوؤبة،ثم أعود بقطع حمراء سمينة من الجمر إلى المنزل.

أصادف فريقا من شباب الحي،معتكفا داخل الفرن على شيء ما وأبخرة  اللفائف تغطي وتكسو المكان دفئا على دفء.أحيانا،أصادف آثار خطب ما تفرق للتو بعد ضجيج وصفعات،وشذ وجذب،فأحدس من خلال التعليقات بأن أحد الآباء باغت ابنه مستأنسا بأجواء المكان، فانتشله من هناك بالقوة والشتم  والوعد والوعيد.

عموما،استثمر أهل الحومة الجوانب الايجابية للنار،عبر فضاء الفرن غير أنهم بقوا متمسكين في نفس الوقت بحرصهم الشديد على الاحتراس من سطوة تلك الأحلام الشاردة التي يثريها استكانة أبنائهم بالانزواء خلال أيّ لحظة عند إحدى زواياه،بحيث قد يمهد ذلك مقدمة لإدمان الانتشاء بعادات سيئة بل مدمِّرة؛ يسهل تملّك ناصيتها هناك.

لإظهار مدى استحواذ أثر مطبخ الخبز على مخيلة أهل الحومة،أتذكر في هذا السياق مثالا قريبا من سيرة أحد أخوالي،الذي أجبره انتماؤه للجيش كي يغيب طيلة مدة ستة أشهر متأهبا ضمن الصفوف الأمامية لخنادق الحرب،وحين عودته للأهل خلال فترات إجازته، سيقضي أغلب وقته متواريا داخل جدران الفرن،لايجتمع بنا سوى لِماما فقط لضرورة مواعد وجبات الطعام.شغف أثار دائما استغرابي،بخصوص دلالات نوعية استراحة محارب من هذا القبيل؛مثلما استعصى علي عند ذات المستوى إدراك سرّ عدم زلل الخباز سوى نادرا جدا بخصوص إخراج الخبز من النار بعد الطهي،وتوزيعه على اللوحات الخشبية التي كانت تستعمل من طرف السكان لحمل عجين الخبز إلى الفرن،بذات الترتيب العددي دون أن يخطئ هوية اللوحات؛ومن ثمة الخبز الخاص بكل أسرة،وحتى مع وقوع الخطأ فسرعان مايتدارك الأمر ويعيد الوضع إلى نصابه الطبيعي.                    

المصدر