أقصبي: فئات محدودة في المغرب تستفيد من “رُيوع” متعددة وغالبية الشباب يجدون أنفسهم في القطاع غير المهيكل كملاذ

منذ 6 أشهر 3
ARTICLE AD BOX

أقصبي: فئات محدودة في المغرب تستفيد من “رُيوع” متعددة وغالبية الشباب يجدون أنفسهم في القطاع غير المهيكل كملاذ

الثلاثاء 21 أكتوبر 2025 | 08:53

رغم مرور أكثر من ستة عقود على تبني المغرب لخياراته الاقتصادية الأولى، يرى الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي أن المملكة لا تزال أسيرة نموذج تنموي يقوم على ما يسميه بـ “الرأسمالية الزبونية” و”الاقتصاد الريعي”، وهو نموذج، بحسب قوله “يُبقي الفقراء والمهمشين تحت وطأة التفاوت الاجتماعي، ويخنق حتى الطبقة الوسطى”.

وقال أقصبي في حوار مع جريدة “لوموند” الفرنسية، عدد 19 و20 أكتوبر الحالي، إن “هذا النظام يسحق الفقراء ويقضي على الطبقة المتوسطة”، مضيفا أن “اللامساواة في المغرب تصعد بالمصعد، بينما الفتات الاجتماعي يكتفي بصعود الدرج”.

وأشار أقصبي إلى أن الخطابات الرسمية التي تعترف بوجود اختلالات اجتماعية عميقة، لم تُترجم فعليا إلى سياسات ناجعة، مذكرا بأن تقارير رسمية سابقة مثل تقرير الخمسينية سنة 2005 كانت قد شخصت كل هذه الأعطاب واقترحت بدائل، لكنها وُضعت على الرف، مضيفا أن الملك نفسه تساءل عام 2014: “أين ثروة المغرب؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة أم فئات محدودة فقط؟”.

ويرى أقصبي أن المنظومة الحالية تعمل بمنطق حصري يقصي الأغلبية، حيث تُمنح امتيازات لفئات محدودة تستفيد من ريوع متعددة، بينما تُسحق الطبقات الدنيا والمتوسطة. ويقول في هذا الصدد إن “كل زيادة طفيفة في الحد الأدنى للأجور أو في التغطية الصحية تُقابل بتضخم في الأسعار وتدهور في القدرة الشرائية”، مشيرا إلى أن “الطبقة الوسطى تعيش اليوم تراجعا واضحا في مستويات استهلاكها وقدرتها على الادخار، متأثرة بارتفاع الأسعار والضرائب غير العادلة”.

“الإصلاح المقلوب”

وعن السياسات الضريبية، ينتقد أقصبي ما يسميه “الإصلاح المقلوب” الذي نفذه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، موضحا أن هذا التعديل “خفض الضريبة على الشركات الكبرى من 31 إلى 20 في المئة لتلك التي تحقق أرباحا بين مليون و100 مليون درهم، في حين ضاعف الضريبة على الشركات الصغيرة التي تقل أرباحها عن 300 ألف درهم”.

كما لفت الانتباه إلى أن “الشركات العملاقة التي تحقق أرباحا تفوق 100 مليون درهم رُفعت ضريبتها إلى 35 في المئة، لكن عددها لا يتجاوز بضع عشرات وغالبيتها خبيرة في التحايل الجبائي”. مضيفا أن العبء الضريبي الحقيقي يقع على كاهل الأجراء، إذ “يدفع الموظفون ثلاثة أرباع مجموع الضريبة على الدخل”.

وفي قراءته للبنية الاقتصادية المغربية، أوضح أقصبي أن “الدولة تظل المحرك الرئيسللاستثمار، إذ تمثل هي والمؤسسات العمومية ثلثي الاستثمارات الوطنية، بينما لا يساهم القطاع الخاص سوى بـ25 في المئة، والاستثمار الأجنبي لا يتجاوز 8 في المئة”. وخلص إلى أن “رهان الدولة على القطاع الخاص منذ ستين عاما فشل في خلق طبقة من رواد الأعمال القادرين على الابتكار والتشغيل، بل أنتج طبقة من المستفيدين من الريع”.

“أمسك لي أقطع لك”

ويُعرّف أقصبي الريع بأنه “ربح لا يستند إلى العمل ولا إلى قيمة مضافة حقيقية”، مبرزا أنه يتجلى في احتكار قلة من الشركات لقطاعات استراتيجية كالمحروقات، والتأمين، والبنوك، والصناعات الغذائية، والمناجم، والنقل العمومي. ويضرب مثالا بسوق المحروقات حيث “تتحكم شركتان أو ثلاث في الأسعار، وتتفق على رفعها بما يتجاوز السعر المنطقي بدرهمين أو ثلاثة في اللتر، وهو ربح ريعي خالص لا علاقة له بقوانين السوق”. ويضيف أن “قطاع النقل مثال آخر على الزبونية، إذ يمنح الامتياز لمن يرتبط بعلاقات ولاء مع السلطة، في إطار نظام يقوم على قاعدة “أمسك لي أقطع لك”.

أما عن الانخراط في العولمة، فيرى أقصبي أنه لم يحقق الوعود المرجوة. وقال إن “ميزاننا التجاري يعاني عجزا مزمنا منذ 1974، وبلغت نسبة تغطية الواردات بالصادرات سنة 2024 حوالي 60 في المئة فقط”، ملاحظا أن المغرب يسجل عجزا تجاريا مع جميع البلدان التي وقع معها اتفاقيات تبادل حر. كما أشار إلى أن “الاستثمار الأجنبي لا يمثل سوى 2.5 إلى 3 في المئة من الناتج الداخلي الخام، بينما يبلغ مجموع الاستثمار الوطني 32 في المئة”. ويخلص إلى أن “المغرب يخسر أكثر مما يربح من هذا الانخراط غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي”.

وذهب أقصبي إلى الحديث عن المفارقة بين “واجهة المغرب المبهرة التي تُعرض للسياح والمستثمرين، من مطارات حديثة وطرق سريعة وفنادق فخمة”، وبين “المغرب الحقيقي الذي يعاني خصاصا في المستشفيات والمدارس وفرص العمل”. وذكر أن الشباب المغربي، خصوصا من الجيل الجديد، “يعبر عن رفضه لهذا الوضع حين يردد: لدينا ملاعب كرة، لكن لا مستشفيات”.

توزيع الثروة والسلطة

وفي تحليله لجذور الأزمة، يعود أقصبي إلى الخيارات الاستراتيجية التي اتخذها المغرب في الستينيات، عندما “اصطف إلى جانب المعسكر الغربي واختار اقتصاد السوق على قاعدة أن القطاع الخاص هو من يخلق الثروة وفرص العمل”. ولاحظ أن “برامج التكييف الهيكلي عمقت هذا الاتجاه عبر تحرير الأسعار والأسواق والخصخصة ورفع القيود التنظيمية”. كما يرى أن “الرهان الثاني تمثل في الاندماج في الاقتصاد العالمي عبر تشجيع الصادرات والسياحة والاستثمار الأجنبي اعتمادا على ميزة اليد العاملة الرخيصة”، لكنه يخلص إلى أن هذه الاستراتيجية “أدت إلى اقتصاد تابع وغير متوازن”.

وتناول أقصبي كذلك مسألة القطاع غير المهيكل، معتبرا أنه “ليس شذوذا بل نتيجة مباشرة للنظام القائم”. وشرح أن “النموذج الإنتاجي في المغرب يحتاج إلى هذا القطاع لأنه يمكن القطاع الرسمي من تقليص كلفة الإنتاج وتعظيم الأرباح”، موضحا أن «الاقتصاد المغربي لا يخلق سوى 40 إلى 50 ألف وظيفة سنويا، في حين يدخل سوق العمل مئات الآلاف من الشباب، ما يدفع الغالبية إلى الالتحاق بالقطاع غير المهيكل كخيار اضطراري”.

بذلك، يرى أقصبي أن أي حديث عن إدماج هذا القطاع في الاقتصاد الرسمي “يفقد معناه ما لم يضمن للعاملين فيه عيشا كريما وشروط عمل لائقة”. ويختم قائلا: “ما لم تُصلح بنية الاقتصاد ويُعاد توزيع الثروة والسلطة، فستظل الأزمة قائمة، وسيبقى المغرب يعيش بفصامين؛ بين مغرب الواجهة ومغرب الواقع”.

المصدر