أقصبي: خطاب “المغرب الصاعد” يصطدم بواقع شباب متعثر في التعليم والشغل والسكن

منذ 2 أشهر 4
ARTICLE AD BOX

أقصبي: خطاب “المغرب الصاعد” يصطدم بواقع شباب متعثر في التعليم والشغل والسكن

الجمعة 20 فبراير 2026 | 22:36

أفاد الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي أن التحسن النسبي الذي عرفته بعض المؤشرات الاجتماعية في المغرب منذ مطلع الألفية لم يلغ الشعور المتزايد بالحرمان لدى الشباب، خلال مداخلة في ندوة حقوقية، نظمتها اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك “جيل زد” مساء الجمعة 20 فبراير الجاري، مضيفا  أن تطور الحاجيات واتساع المقارنة مع التجارب العالمية يرفعان سقف التوقعات ويكشفان حدود السياسات العمومية الحالية.

وقدّم أقصبي تعريفا موسعا لمفهوم العيش الكريم، موضحا أن المقصود به لا يقتصر على الدخل أو التشغيل فقط، بل يشمل منظومة متكاملة من الحقوق. وقال إن العيش الكريم يعني “ظروف العيش بالنسبة للشاب: التكوين والتعليم، ثم الشغل، والصحة، والسكن، وإمكانية الزواج في أفق تأسيس أسرة كباقي الناس، إضافة إلى المطالب الثقافية والرياضية والأنشطة الترفيهية”. وأشار إلى أن هذه المطالب تبدو مادية في ظاهرها، لكنها تتقاطع أيضاً مع أبعاد نفسية ووجودية يعيشها الشباب في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

وأكد الخبير الاقتصادي أن الخطاب العمومي في المغرب يعترف بوجود تقدم منذ مطلع الألفية، وهو تقدم وصفه بـ”النسبي”، موضحاً أنه تحقق في بعض المجالات مثل الصحة وبعض المرافق الثقافية والرياضية، غير أن هذا التقدم لا يعني نهاية الإشكال، لأن الحاجيات تتطور بدورها. وقال أقصبي إن التقدم “خلق حاجيات جديدة ومطالب جديدة”، ما يجعل الشعور بالحرمان لدى الشباب قد يكون اليوم أقوى مما كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين سنة، رغم تحسن بعض المؤشرات.

وتوقف أقصبي عند تأثير التحول الرقمي في إعادة تشكيل توقعات الشباب، معتبرا أن الانفتاح اليومي على تجارب شباب في مناطق مختلفة من العالم يعمق المقارنة ويزيد الإحساس بالفجوة. وأوضح أن الشاب “يعيش يوميا الواقع العالمي ويرى أوضاع شباب في أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا، ومن الطبيعي أن يقارن وضعه بأوضاعهم”، وهو ما يفسر اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التقدم وبين إدراك الشباب لواقعهم اليومي.

وفي هذا السياق، انتقد أقصبي ما اعتبره تناقضا بين خطاب “المغرب الصاعد” ووضعية الشباب، موضحا أن تبني خطاب التنمية دون معالجة اختلالات التشغيل والتعليم والسكن يؤدي إلى إبراز تناقضات السياسات العمومية. وقال إن الحديث عن بلد صاعد “لا يمكن أن يستقيم إذا كان شبابه متعثرا”، معتبرا أن هذا التناقض يعكس حدود السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحالية.

وبالانتقال إلى المعطيات الرقمية، عرض أقصبي تقديرات ديمغرافية حول فئة الشباب، موضحا أن الفئة العمرية بين 15 و34 سنة تمثل نحو 11 مليون شخص، أي حوالي 30 في المائة من سكان المغرب، بينما يبلغ عدد الفئة بين 15 و24 سنة قرابة 6 ملايين. واعتبر أن هذه الكتلة الديمغرافية تجعل من قضية الشباب مسألة مركزية في السياسات العمومية، وليس ملفاً قطاعياً يمكن التعامل معه بشكل جزئي.

وفي محور التعليم والتكوين، ركز أقصبي على الفرق بين التعميم الكمي وجودة التعليم، موضحا أن ارتفاع نسب التمدرس لا يعني بالضرورة نجاح المنظومة. وأشار إلى أن الأرقام الرسمية نفسها تكشف استمرار الهدر المدرسي، موضحا أن “نحو 10 بالمائة من التلاميذ يغادرون المدرسة دون تكوين أو تعليم”، وأن جزءا مهما من التلاميذ لا يتمكن من إكمال التعليم الإعدادي في ظروف عادية.

وأضاف أن الأمية ما تزال مرتفعة وفق الأرقام الرسمية، إذ تبلغ حوالي 28 في المائة من السكان، وترتفع إلى نحو 45 في المائة في العالم القروي، فيما تصل لدى النساء إلى حوالي 36 في المائة. كما أشار إلى أن نسبة الأمية لدى فئة عمرية أوسع من الشباب تبقى بدورها مقلقة، ما يعكس استمرار اختلالات بنيوية في منظومة التعليم رغم جهود التعميم.

وتوقف أقصبي عند فئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل، وقال إن هذه الفئة، وفق تقارير رسمية بينها تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تمثل أعداداً كبيرة تعكس عمق الإشكال، مشيرا إلى أن حجم الظاهرة “مهول ويبين عمق الإشكالية”، بحسب تعبيره.

كما استحضر مؤشرات دولية تقيس مستوى التلاميذ في العلوم والرياضيات، موضحا أن نتائج المغرب في هذه الاختبارات تأتي في مراتب متأخرة، وهو ما اعتبره دليلا إضافيا على أزمة جودة التعليم وليس فقط على محدودية الولوج إليه. واعتبر أن النقاش حول التعليم يجب أن ينتقل من سؤال التعميم إلى سؤال الفعالية والنتائج.

وفي محور التشغيل، وصف أقصبي الوضع بأنه من أكبر التحديات التي تواجه الشباب، مؤكدا أن المشكلة لا تتعلق فقط بنسبة البطالة، بل أيضا بضعف المشاركة في النشاط الاقتصادي. وأوضح أن عدد السكان في سن النشاط الاقتصادي يفوق بكثير عدد النشطين فعليا، ما يعني وجود كتلة واسعة خارج سوق الشغل، خاصة من النساء والشابات.

وأشار إلى أن معدل البطالة الوطني المعلن يخفي تفاوتات كبيرة، خصوصا لدى الشباب، حيث ترتفع النسبة بشكل واضح لدى الفئة بين 15 و24 سنة. وقال اقصبي إن “معدل البطالة العام لا يعكس الواقع الكامل، لأن بطالة الشباب أعلى بكثير”، مضيفاً أن الوضع في الوسط القروي يحمل بدوره خصوصيات وتحديات إضافية.

وشدد أقصبي خلال مداخلته على أن الربط بين التعليم والتشغيل والسكن وتأسيس الأسرة يشكل المسار الطبيعي للاندماج الاجتماعي للشباب، موضحا أن تعطل هذا المسار يؤدي إلى تراكم الإحباطات. وقال إن الشاب عندما يتعلم ويتكوّن ولا يجد شغلا “يتعطل مشروعه الحياتي”، وهو ما ينعكس على مؤشرات اجتماعية أوسع مثل تأخر الزواج وصعوبة الاستقلال السكني.

وفي قراءة أوسع، اعتبر أقصبي أن المطالب الشبابية ليست ثابتة بل دينامية، تتغير مع تغير الاقتصاد والمجتمع، وهو ما يفرض مراجعة مستمرة للسياسات العمومية. وأوضح أن السياسات التي تستجيب لمطالب الأمس قد لا تكفي اليوم، لأن التحولات الرقمية والعولمة رفعت سقف التوقعات ووسعت دائرة المقارنة.

كما أكد أن معالجة هذه الإشكالات تتطلب مقاربة شمولية، لأن التعامل القطاعي مع التعليم أو التشغيل بشكل منفصل يحد من فعالية الحلول. وأشار إلى أن الأزمة ليست فقط أزمة موارد، بل أيضاً أزمة اختيارات وسياسات، داعيا إلى إعادة ترتيب الأولويات بما يضع الشباب في صلب النموذج التنموي.

المصدر