ARTICLE AD BOX
“أطاك”: مشروع مالية 2026 يركز على المشاريع الكبرى على حساب الاحتياجات الاجتماعية الأساسية
نادية فتاح علوي وفوزي لقجع
الخميس 30 أكتوبر 2025 | 10:30
قالت جمعية “أطاك المغرب” إن مشروع قانون مالية 2026 قدم في سياق اجتماعي متفجر، فمنذ 27 شتنبر 2025، احتشد الشباب المغربي في عدة مدن تحت راية حركة GenZ، للمطالبة بالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية، وقد وجهت هذه المطالبات مباشرة إلى الملكية، حيث رفض الشباب الاعتراف بحكومة عزيز أخنوش كطرف شرعي للمفاوضات وطالبوا باستقالتها.
وأشارت الجمعية في تقرير لها، أن عرض مشروع قانون المالية يأتي أيضًا في ظل مناخ من الغضب الشعبي الأوسع نطاقًا، الذي تميز بتحركات في العديد من المدن، لا سيما أݣادير والصويرة وتيزنيت وأزيلال وبني ملال وزاكورة، ضد التدهور الشديد في قطاع الصحة العامة، فقد أدى النقص الحاد في البنية التحتية والمعدات والأطر الطبية إلى مآسٍ إنسانية، منها وفاة ما لا يقل عن ثماني نساء حوامل خلال أسبوع واحد في شتنبر أثناء إجراء عمليات قيصرية في مستشفى الحسن الثاني في أݣادير.
وأكدت أن التحليل التفصيلي للمشروع يظهر أنه يحافظ على جوهر السياسات النيوليبرالية التي تم تنفيذها منذ برنامج التكيف الهيكلي لعام 1983، والتي تم توسيعها منذ بداية العهد الجديد. فالدولة مازالت تنظر إلى القطاعين بمنظور استهداف الفئات الهشة الأقل قدرة على الولوج، أي الإبقاء على نفس السياسات النيوليبرالية في القطاعين مع التدخل ببرامج مستهدِفة (الحماية الاجتماعية، المساعدات المباشرة) لدعم أكثر الأسر فقرا التي لا تستطيع الولوج بالأداء إلى الخدمتين، مع الإبقاء على نفس السياسات التي تُنتج المآسي الاجتماعية التي تسعى تلك البرامج إلى تخفيف وقعها على الأكثر فقرا.
قطاع الصحة
وأشارت أن المشروع خصص مبلغ 42 مليار درهم لقطاع الصحة، أي بزيادة قدرها 30٪ مقارنة بعام 2025. ويتمثل الهدف المعلن للدولة في ”تعزيز الولوج العادل لخدمات صحية ذات جودة لفائدة الفئات الهشة“، من خلال تشغيل المستشفيات الجامعية في أݣادير والعيون، وتجديد 90 مستشفى، ومواصلة إعادة تأهيل مرافق الرعاية الصحية الأولية.
وأضافت أن هذه الاستثمارات ترافقت مع خلق 8.000 منصب مالي، مقابل متوسط سنوي يتراوح بين 5.500 و6.500 في السنوات الأخيرة، ورغم أن الإعلام الرسمي يصور هذه الإعلانات على أنها إنجازات مهمة، إلا أنها ليست كافية لعكس الاتجاه الأساسي: فقد أدت عدة عقود من الإصلاحات النيوليبرالية إلى انسحاب الدولة تدريجياً وتسليع قطاع الصحة. في الواقع، يخصص المغرب حالياً حوالي 7-8٪ من ميزانيته للصحة، وهو ما يقل بكثير عن المتوسط العالمي (11٪) وتوصيات منظمة الصحة العالمية، التي توصي بجهود تتراوح بين 10٪ و15٪.
وسجل التقرير أن النقص المزمن في الاستثمار في الصحة العامة استراتيجية متعمَّدة لمراجعة دور الدولة، فقد تحولت الدولة، تحت وقع الإصلاحات النيوليبرالية المضادة، من مزود للخدمات العامة إلى مجرد مخطِّط للسياسة العامة في القطاع، معتمدة من جهة على “المجموعات الصحية الترابية” ومن جهة أخرى على القطاع الخاص بشكل متزايد، ومبررة ذلك بخطاب يجعله ”شريكاً استراتيجياً“.
قطاع التعليم
وأبرزت الجمعية أن المشروع قانون المالية لعام 2026 خصص مبلغ 97 مليار درهم لقطاع التعليم، بزيادة قدرها 13٪ عن العام السابق، وتهدف هذه الميزانية إلى ”تحسين الولوج والارتقاء بجودة التعليم، ومحاربة الهدر المدرسي لا سيما بالنسبة لأطفال الدواوير النائية“، من خلال تسريع خارطة الطريق للطفولة المبكرة وتوسيع نموذج المدارس الرائدة.
ويستحوذ قطاع التعليم على معظم المناصب الجديدة التي خصصتها الدولة للقطاعين: من أصل 27.000 منصب تم الإعلان عنها، أكثر من 19.000 منصب مخصص للتعليم. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن هذه المناصب لم تخصص للوظيفة المركزية، بل للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، نتيجة للمراجعة الشاملة للوظيفة العمومية في قطاع التعليم التي بدأت في عام 2015 .
وشددت على أن الوظيفة الجهوية ونقص الاستثمارات في قطاع الصحة هما نتيجة لخيارات سياسية تهدف إلى تفكيك التعليم العام، بدأت منذ تقرير البنك الدولي لعام 1995، الذي حث الدولة على خفض تمويلها وجعل الأسر تتحمل تكاليف التعليم. وقد استُخدم هذا التقرير كأساس لجميع الإصلاحات اللاحقة في القطاع، بدءاً بإصلاح عام 1996 والميثاق الوطني للتربية والتكوين لعام 1999، اللذين مهدا الطريق لتسليع التعليم.
وتطرقت كذلك لمشروع المدرسة الرائدة، الذي يعد الركيزة الأساس لـ “خارطة الطريق 2022/2026″ للوزارة، فهو يمثل خطوة إضافية لتسليع المدرسة العمومية، ويقدم آليات إدارة مستوحاة من القطاع الخاص، قائمة على الأداء والقدرة التنافسية والربحية. ويؤكد هذا النموذج على هشاشة الأساتذة- ات من خلال ربط وظائفهم- هن بمعايير الإنتاجية، مع تعزيز النظام التعاقدي والوظيفة الجهوية. ومن خلال إدخال علامات الجودة والمنافسة بين المؤسسات، يحول هذا المشروع المدرسة إلى مساحة للتنافس بدلاً من خدمة عمومية قائمة على المساواة.
وخلصت جمعية “أطاك المغرب” إلى أن مشروع قانون مالية 2026 يركز على المشاريع الكبرى على حساب الاحتياجات الاجتماعية الأساسية، فعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في الميزانيات المخصصة للصحة والتعليم، لا يمثل مشروع قانون المالية لعام 2026 أي خروج عن التوجهات الاقتصادية التي تشكل أساس التنمية في المغرب منذ عدة عقود، وفي نفس الوقت مفجر النضالات الاجتماعية، وضمنها الأخيرة التي خاضها الشباب تحت راية جيل- زد، إذ يواصل المشروع نفس المنطق الذي يعطي الأولوية للمشاريع الكبرى في مجال البنية التحتية، التي غالباً ما تُقدم على أنها محركات للنمو، لكن آثارها الاجتماعية تظل هامشية.
وأكدت أنه في عام 2026 كما في السنوات السابقة، لن تمثل الميزانية الإجمالية للصحة والتعليم حتى ثلث الميزانية المخصصة للمشاريع الكبرى في مجال البنية التحتية، والتي تهدف، حسب المذكرة التقديمية لمشروع قانون المالية، إلى ”توطيد المكتسبات الاقتصادية لتعزيز مكانة المغرب ضمن الدول الصاعدة“.
وفي الواقع، تستفيد من هذه الاستثمارات بشكل أساسي قلةٌ من المستثمرين الأجانب والمحليين، في حين تظل القطاعات الأساسية التي تمس ملايين المواطنين والمواطنات في المرتبة الثانية. كما أنها تساهم في زيادة الدين العام وتعزيز التبعية، مع زيادة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية.
.jpg)
منذ 6 أشهر
12







