ARTICLE AD BOX
جمال أكاديري
أثر الرسوم الجمركية الأمريكية والاقتصاد المغربي
الأربعاء 23 أبريل 2025 | 14:41
فرض الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب رسومًا جمركية على الواردات القادمة من المغرب ، قبل ان يعلقها لمدة على عدد من الدول ، رغم كونها مقلقة رمزياً، إلا أن تأثيرها الاقتصادي كان سيبقى هامشيًا بالنسبة للمغرب. استنتاجنا يستند إلى تحليل مقارن للديناميكيات التجارية المغربية والقيود النظامية التي تحول دون إدماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية.
آراء أخرى
أولاً، يجب التأكيد على أن الصادرات المغربية نحو الولايات المتحدة تمثل نسبة ضئيلة من التجارة الخارجية للمغرب،حسب الأرقام التي نتوفر عليها ، حيث لا تتجاوز قيمة هذه الصادرات ملياري دولار سنوياً، مما يجعل السوق الأمريكي غير استراتيجي بالنسبة للمنتجات المغربية. يعود هذا الاندماج الضعيف إلى عدة عوامل هيكلية، أبرزها الطابع التاريخي للعلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي الذي يستوعب حوالي 60٪ من الصادرات المغربية. تعتمد هذه العلاقة على القرب الجغرافي، وعلى اتفاقيات تجارية مفيدة (مثل اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي)، بالإضافة إلى التكامل الاقتصادي الذي استمر لعقود.
علاوة على ذلك، يواجه المصدرون المغاربة صعوبة في تنويع أسواقهم، ليس فقط بسبب ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية – التي تفاقمت بسبب غياب أسطول بحري وطني تنافسي – ولكن أيضًا بسبب المعايير التنظيمية الصارمة التي تفرضها الأسواق المتقدمة، بما فيها الولايات المتحدة. هذه المعايير، التي غالباً ما تكون مستعصية حتى على المنتجين الأوروبيين، تشكل عقبة إضافية أمام الشركات المغربية التي تواجه بالفعل تحديات تتعلق بالتنافسية التكنولوجية والتنظيمية.
لم ينجح اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمغرب، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2006، في عكس اتجاه العجز التجاري الثنائي. بل إن المغرب يستورد حوالي 5 مليارات دولار من السلع والخدمات الأمريكية، خاصة الأسلحة والطائرات المدنية والمعدات الصناعية. تعكس هذه الفجوة التجارية ليس فقط اختلال التخصص الإنتاجي، بل أيضًا الاعتماد على التكنولوجيا والمنتجات الوسيطة الأجنبية. وزاد من هذا العجز تعليق تمويل برامج المساعدات الأمريكية مؤخرًا، مثل مؤسسة تحدي الألفية (MCC)، التي تعد أهميتها أكبر بكثير من تأثير الرسوم الجمركية لترامب.
يواجه مجمع الفوسفاط المغربي تحديات هيكلية متعددة تتعلق بتنافسيته الدولية، خاصة في الأسواق التي تعتمد على إنتاج الأمونياك محليًا، وهي المادة الأساسية التي يستوردها إلى جانب الكبريت بصنفيه الطبيعي والاصطناعي. هذا التبعية للمواد الأولية المستوردة تضع المجمع في موقع ضعف أمام الدول المنتجة للأمونياك، حيث يصعب عليه التنافس بمنتجاته من الأسمدة الفوسفاتية (MAP وDAP) في هذه الأسواق. بالإضافة إلى ذلك، تأتي تكلفة النقل كعامل حاسم ومكلف، إذ تخضع لتأثير اللوبيات البحرية التي تهيمن على أسعار الشحن الدولي، مما يزيد من أعباء التصدير ويحد من تنافسية المنتجات المغربية.
أما فيما يتعلق بشهادات المنشأ، فإن بعض الدول تفرض شروطًا إدارية معقدة تتجاوز مجرد توقيع غرف الصناعة والتجارة، إذ تشترط الحصول على تأشيرة السلطات المحلية. هذه الإجراءات البيروقراطية تضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى عمليات التصدير، مما يعيق انسيابية التجارة الخارجية ويقلل من فرص النفاذ إلى الأسواق الأكثر جدوى MAP
على الرغم من هذه التحديات، يتمتع المغرب بموقع تنافسي قوي على المستوى العالمي فيما يتعلق بمنتج DAP، وذلك بفضل استثماراته الاستراتيجية وقدرته على تعزيز حصته السوقية عالميًا. لقد استفاد بشكل كبير من القرارات الجيوسياسية الأخيرة، مثل قرار الصين – أحد المنافسين الرئيسيين – تعليق صادراتها من الأسمدة الفوسفاتية، ومن الخضوع الروسي للعقوبات الدولية بسبب الأزمة الأوكرانية. هذه العوامل قدّمت فرصة ذهبية للمغرب لتقوية مكانته كمورد رئيسي للأسمدة الفوسفاتية في الأسواق العالمية.
أما بالنسبة لمنتج MAP، فقد شهد المغرب تأخيرًا نسبيًا في تعزيز قدرتها التنافسية مقارنةً بـ DAP، نظرًا للتحديات المرتبطة بالاستيراد والتكاليف اللوجستية. ومع ذلك، بدأت بوادر تغيير إيجابي بالظهور، خصوصًا مع المشاريع الجديدة التي تم إطلاقها في منطقة الجرف الأصفر، والتي من المتوقع أن تعزز إنتاج الـ MAP
وتزيد من تنافسيته عالميًا.
بهذه الديناميكيات، يمكن القول إن المغرب يسير نحو تحقيق توازن بين التحديات الهيكلية والفرص الاستراتيجية، مما يجعله لاعبًا رئيسيًا في سوق الأسمدة الفوسفاتية العالمي، رغم القيود التي لا تزال قائمة.
أما النسيج والأسلاك المعدنية، فبعضها يستفيد بالفعل من إعفاءات جمركية خاصة، مما يخفف من التأثير المباشر للسياسات الحمائية الأمريكية. ومع ذلك، فإن القواعد الصارمة المتعلقة بمبدأ «المصدر» التي تطبقها الولايات المتحدة تقيد فرص جذب الاستثمارات الأجنبية في هذه القطاعات. إذ يجب حتى على الشركات الجديدة المستقرة في المغرب الامتثال لمعايير مشددة تتعلق بمصدر المكونات المستخدمة في الإنتاج. هذا الشرط يقلل بشكل كبير من اهتمام الشركات متعددة الجنسيات بنقل أنشطتها إلى المغرب .
على المدى الطويل، قد تؤدي السياسات الحمائية التي أطلقتها الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل سلاسل القيمة وسلاسل الإمداد العالمية. ومع ذلك، تظل هذه التحولات مشروطة بعوامل اقتصادية كبرى مثل التضخم، وتوفر الموارد الطبيعية والبشرية، وقدرة الدول على تكييف بنيتها الإنتاجية. في هذا السياق، يتمتع المغرب بمزايا تنافسية ملحوظة، مثل موقعه الجيوستراتيجي المميز، وقوة عاملة نسبية مؤهلة، وتكاليف إنتاج تنافسية. لكن تحويل هذه المزايا التنافسية إلى مزايا دائمة يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، لا سيما في مجالات الحكامة والابتكار وتنويع الاقتصاد.
أخيرًا، من المهم تسليط الضوء على الإمكانات غير المستغلة للصادرات الصناعية التقليدية، مثل المنتجات الثقافية التقليدية والملابس. تُعفى هذه السلع غالبًا من الرسوم الجمركية حتى قبل اتفاقية التجارة الحرة، مما يمكن أن يشكل فرصة لتعزيز الحضور المغربي في السوق الأمريكي. ومع ذلك، تتطلب هذه الاستراتيجية رؤية واضحة واستثمارات موجهة لتحسين جودة وتنافسية هذه المنتجات.
في المجمل، الرسوم الجمركية التي كان فرضها ترامب، قبل ان يعلقها لمدة 90 يوم ، رغم ضجيجها الإعلامي، لها تأثير محدود على الاقتصاد المغربي. تكمن التحديات الحقيقية في القيود الهيكلية التي تعيق تنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيته الدولية. بدلاً من التركيز على إجراءات آنية، ينبغي على صناع القرار المغربي اعتماد نهج شامل يهدف إلى تعزيز القدرات الإنتاجية للبلاد وإدماج شركاتها بشكل أكبر في سلاسل القيمة العالمية. بدون ذلك، ستظل الخطابات حول الفرص الاقتصادية مجرد تكهنات بعيدة عن واقع الحال.
.jpg)
منذ 1 سنة
5







